الفريق الذي يقف وراء حملة فيديوهات “ليغو” الرائجة المؤيدة لإيران
كايل شايكا
فيديوهات “أخبار انفجاري” (Explosive News) المصنوعة بواسطة الذكاء الاصطناعي تمت مشاركتها من قبل حسابات حكومية إيرانية، وتبناها متظاهرو “لا ملوك” (No Kings). يقول متحدث باسم المجموعة: “لنواجه الأمر بصدق؛ إذا لم تكن الحقيقة مبهرة، فستبقى وحيدة نوعاً ما”.
في العام الماضي، بدأت قناة على يوتيوب تسمى “أخبار انفجاري” (Akhbar Enfejari) بنشر محتوى رقمي متنوع ذي توجه سياسي وأخلاقي. ظهر شاب إيراني يعلق على أخبار الشرق الأوسط أمام الكاميرا بأسلوب “المؤثرين”، مستخدماً إضاءة حلقية (Ring-light) وخلفية من النيون. وأكدت رسوم متحركة أُنتجت بواسطة الذكاء الاصطناعي على أهمية الحسم وقدمت نصائح حول كيفية التعامل مع أزمة المياه في إيران. اتسمت القناة وحساب مرتبطة بها على إنستغرام بميل واضح ضد الغرب، “أرسل هذا الفيديو لأمريكا القذرة حتى تنفجر 💣”، كما جاء في أحد التعليقات التوضيحية، لكن مقاطعها لم تكن محفزة بشكل خاص، إذ لم يحصد معظمها سوى بضع مئات من المشاهدات لكل منها. ثم، في شباط/فبراير من هذا العام، حققت “أخبار انفجاري” قفزة نوعية بأسلوب جديد من المحتوى: مقطع رسوم متحركة من صنع الذكاء الاصطناعي ضد الحرب الأمريكية على إيران، نُفذت بأسلوب أفلام “ليغو” (Lego)، مع تصوير قادة العالم كشخصيات كرتونية صفراء ذات رؤوس مهتزة والصواريخ كقطع بلاستيكية.
في الأسابيع الأخيرة، أصبحت فيديوهات “ليغو” من إنتاج “أخبار انفجاري” قطعاً فنية لا يمكن تجنبها في صراع دولي كان ينتج بالفعل وابلاً من المحتوى الرقمي. حصدت المقاطع ملايين المشاهدات والعديد من التعليقات الحماسية من الجمهور الغربي. وأعادت حسابات تابعة للحكومة الإيرانية مشاركتها، وروجت لها وسائل إعلام رسمية روسية، وتبناها متظاهرو “لا ملوك” لصورها الصارخة المناهضة لترامب. الرسائل السياسية المعروضة في الفيديوهات فجة وكرتونية تماماً مثل شخصيات الليغو المربعة؛ حيث يحتفل إيرانيون من الليغو بصواريخ تحلق باتجاه تل أبيب على أنغام موسيقى راب ألفها الذكاء الاصطناعي (الأغنية بعنوان “L.O.S.E.R” وتقول كلماتها: “تذوق رماد الهزيمة”). ويظهر قبر من الليغو مكتوب عليه: “ارقد بسلام دونالد جون ترامب”، بينما تشتعل النيران في البيت الأبيض إثر ضربة صاروخية. تعبر الفيديوهات عن تضامن فج مع ضحايا العدوان الأمريكي، في الماضي والحاضر؛ ففي أحد المقاطع، تحمل صواريخ الليغو رسائل باللغة الإنجليزية تخلد ذكرى جميع الضحايا، من الأمريكيين الأصليين إلى القرويين الفيتناميين و”السود المسروقين”. وتعلن جملة مكتوبة بأحرف كبيرة: “انتقام واحد للجميع”. كما تتقن الفيديوهات لغة المؤامرة والاستفزاز الإلكتروني (trolling)؛ إذ يشير أحدها إلى شائعات مفادها أن بنيامين نتنياهو قُتل في ضربات إيرانية واستُبدل بنسخة مزيفة (deepfake). وفي فيديو آخر يتماشى مع التكهنات المحمومة عبر الإنترنت حول صحة ترامب، يظهر كدمة تتفتح على إحدى يدي الرئيس “الليغو”. ويظهر مقطع آخر ترامب الليغو وهو يتصفح صوراً لنفسه ولنتنياهو في ملفات جيفري إبستين، ثم، تشتيتاً للانتباه، يقوم بإطلاق الصاروخ الذي ضرب مدرسة للبنات في إيران الشهر الماضي. يثير هذا الوابل من الصور نوعاً من “الصدمة الارتجاجية” السريالية؛ فالموضوع جدي للغاية، حرب دولية تدور في الوقت الحقيقي وتقتل الآلاف، ومع ذلك فإن المفردات البصرية تافهة إلى حد مضحك.
وصفت بعض التقارير الإخبارية “أخبار انفجاري” بأنها مرتبطة بالنظام الإيراني. فعلى سبيل المثال، استشهدت “فوربس” بحقيقة أن فيديوهات الليغو تمت إعادة نشرها على تلغرام بواسطة وكالة “تسنيم” للأنباء، وهي وسيلة إعلام تابعة للحرس الثوري الإسلامي الإيراني، وأشارت صحيفة “جيروزاليم بوست” إلى أن بعض المقاطع كانت ممهورة بـ “علامة مائية ظاهرة” لـ “رواية فتح”، وهو اسم مؤسسة إعلامية إيرانية تديرها الدولة. وخلال مراسلات عبر البريد الإلكتروني هذا الأسبوع، ادعى ممثل لـ “أخبار انفجاري” أنها “مستقلة تماماً” حيث أكد أنهم لا صلة لهم بأي جهة رسمية بقوله: “لا حكومة، لا جيش، لا تلفزيون رسمي”. وقال إن “رواية فتح” هو العنوان الفارسي للفيديوين اللذين أصدرناهما، “تاريخ النصر 1 و2” (بالفارسية: روایت فتح). وعندما ضغط عليه مدقق حقائق بشأن الصلات بالنظام، قال بمكر: “هل هناك طريقة لإثبات أنك لست مرتبطاً بجينيفر لورانس؟!”. ووصف “أخبار انفجاري” بأنها “فريق إعلامي يقوده طلاب ذوو خلفية في النشاط الاجتماعي”، وقال إن الأفراد الذين يقفون وراءها يرغبون في البقاء مجهولين خوفاً من أن انتشارهم الواسع على الشبكة العنكبوتية قد يجعلهم أهدافاً في الحملة الحربية. وأضاف: “مفارقة مضحكة: بعض جامعاتنا القديمة... قُصفت. أجل، كانت ’هدية‘ من دونالد ترامب للعلوم والثقافة الإيرانية!”.
نشرت “أخبار انفجاري” أولى فيديوهاتها بأسلوب الليغو خلال حملة القصف الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو الماضي. وعندما بدأت الحرب في فبراير، قال الممثل: “كان فريقنا جاهزاً، والخطط جاهزة، والمحركات تعمل، وبحلول اليوم الثاني، عادت فيديوهات الليغو إلى العمل”. بدؤوا في إنتاج مقاطع جديدة، وكتابة السيناريوهات، ثم تكليف الذكاء الاصطناعي وأدوات التحرير الرقمي بإنتاج الفيديوهات بناءاً على السيناريوهات الآنف ذكرها. وقال الممثل: “بالعمل بدوام كامل، يمكننا إنتاج فيديو مدته دقيقتان في حوالي 24 ساعة”.
قد يتوقع المشاهدون الأمريكيون المعتادون على أسلوب الاستفزاز الخاص بحركة “MAGA” أن تكون فيديوهات الليغو مدفوعة بنوع من العدمية الجاذبة للنقرات (clickbait)، أي “تعفن دماغي” على طراز طهران. لكن ممثل “أخبار انفجاري” تحدث عن جهودهم بجدية رفيعة المستوى، قائلاً: “كل مشهد، وكل إطار، وكل تفصيل مخفي، وكل فكرة في عملنا نشعر وكأنها أطفالنا”. واقتبس مثلاً فارسياً (”ما يخرج من القلب سجد طريقه إلى القلب”)، وقال إن الفريق يأمل أن تلهم فيديوهاتهم المشاهدين بـ “لمحة عن نوع مختلف من الروح، شيء أكثر شاعرية، وأكثر إنسانية، وربما أكثر لطفاً قليلاً”. قد لا تكون هذه هي الكلمات الأولى التي تتبادر إلى الذهن عند مشاهدة مقاطع لترامب ليغو تشتعل النيران في مؤخرته البلاستيكية، لكن “أخبار انفجاري” ترى نفسها تخوض “معركة بين الحق والباطل”. وكتب المتحدث: “حكمة سريعة من القرآن: ’إن أكرمكم عند الله أتقاكم‘”.
ومهما كانت نوايا الفريق نقية، فقد نجحت فيديوهات الليغو جزئياً لأنها تلاقي الخطاب السياسي عند المستوى الذي انحدر إليه بالفعل. فقد شنت إدارة ترامب معاركها الخاصة القائمة على “الميمات” عبر حساباتها الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوهات “ASMR” لعمليات الترحيل، ونكات داخلية للقوميين البيض، ومقاطع مجمعة لعمليات قصف متداخلة مع لقطات من ألعاب الفيديو. ويقال إن ترامب يُعرض عليه يومياً مونتاج فيديو مدته دقيقتان للضربات الناجحة على إيران لإبقائه على اطلاع بآخر مستجدات الحرب، وهو ما يشبه “تكثيف أخباري عسكري خاص” لقائد أعلى يتمتع بمدى انتباه طفل صغير. وحتى لو كان ترامب نفسه ينشر بشكل أساسي على “تروث سوشيال” (Truth Social)، فهو كائن أنتجه الإنترنت مهووس بالصور؛ ومن المنطقي أن تصل مقاطع “أخبار انفجاري” الانتقامية والساخرة إلى عينيه، أو على الأقل تجذب الانتباه العام من خلال التحدث بنفس المصطلحات القتالية الاستعراضية التي تستخدمها حركة “MAGA”. وبمساعدة الذكاء الاصطناعي، يمكن للفريق تحقيق قيمة إنتاجية مذهلة. وكما قال الممثل: “نعتقد أن الروايات الإعلامية الإسرائيلية-الأمريكية السائدة غالباً ما تقدم أعمال القوة والظلم والعدوان وحتى العنف بطريقة مصقولة وجذابة من خلال قوة الإعلام”. وأضاف: “لنواجه الأمر بصدق؛ إذا لم تكن الحقيقة مبهرة، فستبقى وحيدة نوعاً ما”.
في العام الماضي، نشر ثلاثة باحثين إعلاميين ورقة بحثية بعنوان “Slopaganda” (بروباغندا الرديئة)، وهو مصطلح جديد من مصطلحات القرن الحادي والعشرين لوصف تقاطع الذكاء الاصطناعي التوليدي والبروباغندا. يجادل المؤلفون بأن هذا الشكل الناشئ سام بشكل فريد، سواء لأنه يُنتج بسرعة وبتكلفة زهيدة، أو لأنه “يقدم طابعاً شخصياً جماعياً، مما يخلق رسائل وروايات مفصلة” في لحظة. سرعان ما أصبحت هذه البروباغندا “لغة الإسبرانتو” الجديدة للصراع الدولي. فقد بثت “CCTV”، إذاعة الدولة الصينية، مقطع رسوم متحركة بالذكاء الاصطناعي تشرح حصار مضيق هرمز باستخدام تيمات الفنون القتالية، حيث ظهر الإيرانيون كقطط مجسمة وترامب كأستاذ كبير برأس نسر يطلق قنابل ذهبية باهظة الثمن. ونشر حساب السفارة الإيرانية في لاهاي على منصة (X) مقطع رسوم متحركة بالذكاء الاصطناعي تصور المونولوغ الداخلي لترامب كخلية من الشياطين بأسلوب فيلم “Inside Out”، كما نشر حساب السفارة الإيرانية في جنوب أفريقيا فيديو “رديئاً” يشير إلى “تيك توك” شهير من حقبة كوفيد لرجل يتزلج على لوح طويل على أنغام فرقة فليتوود ماك، وذلك للاحتفال بقصف إيران لتل أبيب. لكن فيديوهات “أخبار انفجاري” قد تكون أقوى مثال في العالم على هذا النوع من البروباغندا الرديئة حتى الآن، إذ أن كل سفينة “ليغو” حربية تنفجر تعني مزيداً من التغيير في القلوب والعقول، أو على الأقل تولد الكثير من النقرات.
في نهاية الأسبوع الماضي، قام يوتيوب وإنستغرام فجأة بحذف حسابات “أخبار انفجاري”. لم يستجب إنستغرام لطلب التعليق، لكن متحدثاً باسم يوتيوب قال إن القناة أُزيلت بسبب “انتهاك سياساتنا المتعلقة بالبريد العشوائي والممارسات المخادعة وعمليات الاحتيال”. (ألقى ممثل “أخبار انفجاري” باللوم في الحظر على “أعمال إعلامية ’مضللة‘” من قبل “جهات صهيونية”). لكن الفيديوهات لا تزال متاحة على منصة (X) ومنصات أخرى، ويبدو أن عمليات الحذف لم تفعل الكثير للحد من مدى انتشارها. وقال الممثل إن الفريق فوجئ في البداية بشهرتهم الدولية، لأنهم استهدفوا بمحتواهم المشاهدين الإيرانيين بشكل مباشر، لكنهم بدؤوا في صياغة الفيديوهات لجمهور أوسع مع “فهم تفضيلاتهم بشكل أفضل”. في الأسبوع الماضي، بدأت قناتهم على تلغرام بالنشر باللغة الإنجليزية بدلاً من الفارسية، ووسعت المجموعة اسمها من “أخبار انفجاري” (Explosive News) إلى “الوسائط الانفجارية” (Explosive Media). ويوم الثلاثاء الماضي، نشروا إعلاناً تشويقياً على (X) لفيديو جديد يظهر فيه قنابل تسقط فوق نسور صلعاء مشتعلة ونسخة “ليغو من النبي موسى تراقب احتراق هرم نُقش عليه وجه ترامب. في المناخ الجيوسياسي الحالي، ربما تكون هذه البروباغندا مجرد طريق آخر للنجومية الإعلامية العالمية. وقال الممثل: “لدينا أحلام أكبر؛ أشكال جديدة، أجواء سينمائية، وربما أعمال أطول. من يدري؟”.


